سميح عاطف الزين
188
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وكانت الأحوال التي يعيشها أبناء قومه هي أيضا ما يشغل باله ويثير اهتمامه . كان ينظر إلى البيئة المكية فيجدها حبلى بالمتناقضات . . فقد كان في ذلك البلد ، الذي يعد صورة لكل البوادي والحضر في شبه جزيرة العرب ، عادات الجاهلية ، وتقاليدها الفاسدة والسليمة على حدّ سواء . . ففي مكة كان يعم الفساد والفسق ، ويغلب النفاق والظلم . وجلّ أهلها يتعاطون الموبقات ، ويستسيغون المتع والملذات ، ويحلون الربا والسلب . يكرهون البنات ، ووأدهنّ كان أمرا مألوفا . أما القبلية والعصبية فإن حياتهم تقوم عليها . وليس ما يمنع من نصرة ابن العشيرة ولو كان ظالما ، وخذلان غيره ولو كان مظلوما . . وإلى جانب تلك المساوىء كان عندهم كثير من الخصال الحميدة مثل الكرم ، والشجاعة والإيثار ، والصبر على المكاره ، والثقة بالنفس ، والاعتزاز بالنسب ، والحفاظ على الشرف ، وما إلى ذلك من المزايا الحميدة التي يتحلّى بها العربي في بقاعه الصحراوية الجافة . . وكان أن تكونت لديهم حياة اجتماعية تشكل خليطا من الأعراف الإيجابية والسلبية ، يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد ، وتملأ حياتهم جيلا بعد جيل . ولكن الطابع الغالب لتلك الحياة ، الذي نبع من روح الصحراء ، كان الانفلات من كل قيد ، والانطلاق في غياهب جاهلية ظلماء ، تحتاج إلى من يقودها إلى ضياء فجر جديد ، ونور عهد جديد . . في تلك الأجواء عاش محمد فتوته ، فتفتحت مداركه على وعيها ، وعلى التفكير بحسناتها ومساوئها ، مما عزز في نفسه البحث عن الحقيقة ، ضالته المنشودة . .